مبحث الإدراك


مبحث الإدراك


يبدو للوهلة الأولى أن الأحاسيس هي المعطى الأكثر بساطة الذي يربط الفرد مباشرة بالعالم الخارجي. فالإحساس بالبرودة والحرارة وبالمر وبالحلو وبالأزرق وبالأحمر، ما هو إلا تعبير حسي أولي عن علاقة الشخص بالواقع الخارجي.

أما الإدراك فهو عملية تمييز (معرفة) لموضوع خارجي وليس مجرد انفعال داخلي (انطباع حسي). إنه إذًا علاقة معرفية معقدة تربطنا بالأشياء وتكشف لنا وجودها. فالإدراك هو علاقة الوعي المدرك بموضوعات الإدراك وهو عملية أكثر تعقيدًا من الحس، فهو بطبيعته يشكل تجاوزًا لمستوى الانطباع الحسي.



طبيعة الإحساس وقوانينه

لا يشكل الإحساس معرفة بالعالم الخارجي ولا انعكاسًا موضوعيًا له، بل هو ردة فعل العضو الحاس على المؤثر الخارجي؛ هذا يعني أن الإحساس هو حالة تكيف بيولوجي لأنه يتوقف على العضو ذاته لا على المؤثر. وهناك أمثلة على ذلك:

إن مؤثرًا واحدًا يُحدث في أعضاء مختلفة أحاسيس مختلفة.

وإن مؤثرات مختلفة في عضو واحد تُحدث ردات فعل متشابهة. بالتالي فإن الإحساس يعبر عن العضو الحاس أكثر منه عن الشيء الخارجي.

وإلى ذلك فإن أحاسيسنا لا تستوعب جميع ما يردها من الخارج من ذبذبات صوتية وحرارية وضوئية: وإن لبعض الحيوانات قدرات حسية متفاوتة فيما بينها، لكنها لا تتوفر للإنسان. فكل إحساس يقتطع من الواقع مجالاً يتكيف معه الكائن الحي بواسطة عضو خاص، ما يؤكد ذاتية الإحساسات بحيث لا يمكن أن نلتمس فيها أي معرفة موضوعية.

ويتأكد لنا ذلك أيضًا الذاتية في الإحساس، في القانونين التاليين:

- قانون “ويبر Weber” هناك ثابتة تعبر عن كمية الزيادة في المؤثر التي تُحدِث فرقًا في الإحساس.

- قانون “فشنر Fechner” انطلق “فشنر” من قانون “ويبر” فتوصل إلى قانون مؤداه أنه عندما تتزايد شدة المؤثر حسب متوالية هندسية فإن شدة الإحساس تتزايد حسب متوالية حسابية وهذا يؤكد أن الإحساس هو عملية تكيف لا عملية معرفة بحقيقة العالم الخارجي فإن تزايد الإحساس بدرجة أنقص من تزايد المؤثر هو نوع من الدفاع البيولوجي للجسم، بل إنه عملية دفاع تلقائية للجسم تحدّ من ضغوط المؤثرات الخارجية وعواقبها على سلامة الجسد.

الإدراك:

يعتبر الإدراك نقطة الالتقاء بين الوعي والعالم، أي بين الشخص المدرك والموضوعات المحيطة به. فحين نعبّر بالقول نحن نرى أو نسمع أو نلمس هذا الشيء، فإننا نقصد بهذا الكلام العملية الإدراكية التي تجتمع فيها المؤهّلات العقلية والمعرفية مع العناصر الحسية والحركية. فالإدراك ما هو إلا نتاج لهذه العلاقة الثنائية بين قطبي العقل والحس. والخلاف الفلسفي حول مسألة طبيعة الإدراك لا يستهدف نفي أو استبعاد أحد هذين القطبين، بل هو خلاف يدور برمته حول أسبقية الواحد منهما على الآخر. ولذلك تطرح مسألة طبيعة الإدراك إشكالية فلسفية مألوفة تتلخص بالسؤال التالي: أيهما أسبق في عملية الإدراك، المنطلق الحسي أم البُعد العقلي؟

وهل يتأسس الإدراك على العوامل الخارجية الحسية التابعة للموضوعات المدرَكة؟ أم أن أساس العملية الإدراكية هي العناصر الذاتية الكامنة داخل الذات المدرِكة؟

ليس من شك في أن الإجابة على هذه التساؤلات ستتوزع تبعًا للفلسفات المختلفة لتنتج إما حلولاً تجريبية واقعية تقدّم الموضوع على الذات، وإما نظريات مثالية عقلية تعطي الأولية للذات على الموضوع. وبهذا الشكل تختلف التفسيرات وتتعدّد النظريات التي تحاول أن تجد جوابًا للإشكالية المعقدة التي تتناول مسألة “طبيعة الإدراك”.


التمييز التقليدي بين الإحساس والإدراك:

في مثل هذه الدراسة عن الإدراك يبدو مستحسنًا البدء بتمييزه عن الإحساس. فالإحساس هو المعطى البسيط الذي يعبّر عن خاصية المعاش Le vécu قبل أن ينتقل إلى حيّز المعرفة العقلية. إنه حدس مباشر يقوم به عضو الحس ناقلاً للوعي انطباعًا أولاً عما يجري في المحيط الخارجي. ولذلك فإن الإحساس لا يعبّر عن أية معرفة متحدّدة بل هو في حقيقته يعبّر عن ذاتية عضو الحس. ولكي يكتسب معاني ودلالات يتعيّن تفسير هذا الإحساس لينتقل عبر هذا الجهد العقلي إلى مستوى الإدراك، أي معرفة الموضوعات المتحدّدة في الزمان والمكان.

فالأحمر على سبيل المثال ما هو إلا عبارة عن إحساس صرف، وهو يصبح تابعًا للعملية الإدراكية حين يتحدّد كوصف يخص موضوعًا ما بعينه، كمثل أن نقول: هذا بساط أحمر.

يظهر إذًا بوضوح أن الإحساس هو عبارة عن ظاهرة بسيطة طبيعية وابتدائية تصيب الوعي وتحرّكه. ومنذ الأيام الأولى للولادة يمتلك الطفل الوليد إحساسات الألوان والأصوات والروائح.. لكنها تبقى إحساسات صرفة غير قابلة للإنتقال إلى معارف متحدّدة في تلك الفترة المبكرة من الطفولة، إنها مقصورة بالكامل على بعض التغيرات والاستجابات الجسمانية.

أما الوصول إلى عملية الإدراك، وتحوّل الإحساسات إلى معارف، فهي أمور تابعة لمراحل النضج اللاحقة حيث تتركّز الإحساسات في الموضوعات الخاصة بها. فمن خلال الإدراك يتحول الإحساس إلى تمثّلات معرفية تابعة لمستوى العقل. ومن خلال الإدراك كذلك تنتقل الانطباعات الذاتية التي يقدّمها الإحساس فتصبح معرفة موضوعية. وهذا يعني أن الإدراك هو عملية بنائية من فعل الوعي المدرك. إنها العملية التي تؤهلنا لاقتلاع الحس وتحويله كي يلتحق بموضوع معرفي خاص. وبهذا الشكل فقط، أي حين يتمركز الانطباع الحسي في موضوع ما، ينقلب الإحساس إلى عملية إدراكية.

لكن هذا الإنقلاب والتحويل يطرح إشكالية العلاقة بين الحسي والعقلاني، بين الواقع وتمثّله الذهني. إنها إذًا إشكالية فلسفية قديمة ومتجدّدة تحاول فهم العلاقة بين المادة والروح، فتتحول في مسألة الإدراك إلى تساؤل أساسي يفرض نفسه على هذا النحو: كيف يمكن لموضوع واقعي ومادي تابع للعالم الخارجي ومتميّز بفردانيته واستقلاليته، كيف يمكنه أن يصبح موضوعًا معرفيًا تابعًا للعقل ولعالم الوعي الداخلي؟


النظرية العقلانية: (الإدراك هو حكم عقلي):

يبدو أن النظرية التقليدية في الإدراك تتركز حول مجموعة من المفاهيم لخصها لالاند في التعريف التالي:

“الإدراك هو فعل للشخص ينظم فيه مباشرة أحاسيسه الحاضرة ويفسّرها ويكملها بما عنده من صور وذكريات. وتفترض الذات المدركة وجود موضوع متميز ومستقل عنها، وتحكم عليه فطريًا أنه موضوع واقعي ومعروف من قبلها في اللحظة الحاضرة..”.

وأول ما يلفت النظر في هذا التعريف هو أن الشخص، أو الذات المدركة، هو الذي يقوم بتنظيم أحاسيسه. وهذا يعني أن الأحاسيس هي معطيات ابتدائية ينطلق منها الإدراك. فالأحاسيس بحدّ ذاتها ليست معارف وإنما هي المنطلق والشرط المحدّد لكل معرفة لاحقة.

كذلك فإن تنظيم الأحاسيس يسمح لنا بافتراض وجود موضوع متميّز متمركز في المكان. وإذا كان جان فال قد فهم الحيّز المكاني أنه عبارة عن فكرة مجرّدة، وإذا كان الفيلسوف كانط قد اعتبره واحدًا من الأشكال القبلية السابقة للتجربة، فإن المقصود بالمكان هنا هو وظيفيته ضمن العملية المعرفية. والعقل يضطلع بدور هام في تحديد العنصر المكاني، وهذا ما يعبّر عنه آلان بقوله: هذا الأفق البعيد لا أراه بعيدًا عني، إني أحكم عقلاً أنه بعيد من خلال لونه وحجم الأشياء التي أراها منه.

وعلى هذا النحو فإن الإدراك يفترض مداخلة الأحكام العقلية لتفسير معطيات الحس. وعملية التفسير العقلي هذه تذكرنا بديكارت الذي اعتبر أن الفعل هو الأساس في عملية المعرفة وأن الأحاسيس هي مصدر الخطأ والخداع في معارفنا. ولكن يبقى مع ذلك وجهًا ايجابيًا لهذه الأحاسيس في عملية المعرفة لأنها وحسب ديكارت، هي التي تجعلنا على احتكاك مباشر مع الوقائع التي ينبغي معرفتها. ويعطينا ديكارت مثاله الشهير عن قطعة الشمع فيقول أن هذا الجسم المدرَك: (الشمع) ليس مدركًا من خلال الأحاسيس المختلفة التي يتبدى لنا من خلالها: (الرائحة-اللون-الشكل..)، إن للحكم العقلي الدور الأساسي في عملية إدراكنا للجسم، وذلك لأن مختلف الأحاسيس المرافقة للمادة تتغيّر، فالطعم والرائحة والرؤية تتبدل وبالرغم من ذلك فإن الشمع يبقى هو نفسه بالنسبة لإدراكنا.

وإذا ما عدنا إلى تعريف لالاند نفسه نجده يوافق المنطلق الديكارتي إذ أن عملية الإدراك ليست بالفعل نتاجًا حصريًا للأحاسيس والمعطيات الابتدائية. فالعديد من العناصر المعرفية والعقلية تأتي لتكمّل ما يقدّمه الحس، وهذا ما عبر عنه لالاند بعملية التفسير عبر الصور والذكريات. ويؤيد آلان بدوره هذا الطرح الذي يقحم العقل في كل عملية إدراكية ويجعله أساسًا لها. يقول آلان مدافعًا عن النظرية العقلانية: إننا عندما ننظر إلى مكعب نرى فقط عددًا من وجوهه وأضلاعه، إلا أننا نحكم بأنه مكعب. فهذا الإدراك يتأتى عن حكم يعتمد على مصارد ذهنية سابقة، مما يعني أن الأشياء تدرك من خلال الفكر لا من خلال الإحساس. فالعناصر العقلية وخاصة الذاكرة والمخيلة هي التي تسمح بتفسير معطيات الحس وإغناءها. فإدراكنا لموضوع ما يستدعي دائمًا إغناء المعطيات الحاضرة بتجاربنا وبمعارفنا السابقة. ولذلك ركّز آلان أيما تركيز على دور الذاكرة في عملية الإدراك. ولذلك أيضًا اعتبر برغسون الإدراك مرادفًا للتذكر.

وإذا ما سلمنا بأن للذات الواعية ومعارفها دورًا بالغ الأهمية في عملية الإدراك، فإن هذا يعني أن ثقافة الشخص ومعارفه تنعكس على إدراكاته وتغطيها برمتها. فالنسيج الثقافي والمعرفي واللغوي، وحتى الأخلاقي والقيمي، يؤثر في إدراكاتنا. بل نحن لا نرى العالم إلا من خلال المستوى الثقافي والسلّم القيمي والنظام اللغوي والمحركات الوجدانية التي ننطلق منها لمعرفة العالم. فالموضوع المدرَك نفسه يختلف حسب منظور الشخص المدرِك. فما يراه ابن الثقافة الغربية في موضوع ما، أو مسألة من المسائل، يختلف تمامًا عن منظور الأشخاص الذين نشأوا في أوساط الشرق.

ولما كان الإدراك حسب الفلاسفة العقلانيين نتاجًا للعناصر العقلية وللأحكام التي يبنيها العقل، فإن أخطاء الحواس أصبحت بالنسبة لهم عبارة عن أغلاط ناتجة عن الأحكام العقلية. فالإحساس، حسبما يدعي لانيو Lagneau، ليس هو الذي يجعلنا نقول “هذا صحيح” وهذا “خاطئ”، إذ أن الإحساس ليس بمعرفة منتجة للأحكام. لذلك لا يمكن أن ننسب الأخطاء إلى الحسّ لأن الخطأ يتأتى من العقل ومسالكه البرهانية. أما الحس فيمكن أن ننسب إليه فقط الوهم فنقول: “أوهام الإحساس”.

ويؤكد لانيو أن مجمل الأخطاء التي نقع فيها متأتية من أحكامنا العقلية ومعارفنا السابقة التي تعوّدنا أن نرى الأشياء من خلالها. فحين نقول خطأ عن لوح أخضر: هذا اللوح أسود نكون قد اعتمدنا عقليًا على ظاهرة ثبات اللون التي عهدناها بتجاربنا السابقة.


نقد النظرية العقلية:

ليس من شك في أن الحجج الي ترتكز إليها النظرية العقلانية هي في غاية الأهمية. فالتكوين العلمي للشخص المدرك وكذلك سائر العناصر المعرفية المتحكمة بعملية الإدراك، من صور وذكريات ولغة وعادات ذهنية وأساليب منطقية.. تتدخل كلها لتحديد عملية الإدراك. فعندما أرى شخصًا من بعيد، أحاول تحديد أوصافه من خلال اللجوء إلى أوصاف مشابهة، فألجأ إلى مقارنة قامته ولون شعره بنظيراتهما التي أعرفها عن شخص آخر شبيه، مما يؤكد أهمية الذاكرة في توجيه الوعي وفي التحكم في عملية الإدراك.

ولكن يبدو أن للعناصر الذاتية دوراً هامًا هي الأخرى في عملية الإدراك. وحتى العناصر العقلية نفسها التي يتحدث عنها أصحاب النزعة العقلية ليست من طبيعة موضوعية صرفة. ولذلك لا بدّ من التنبه إلى أمر هام، غفل عنه العقلانيون، وقرّره بياجه، وهو أن المعارف التي يتمتع بها الشخص الواحد ليست هي نفسها دائمًا، بل هي عرضة لتغير وتبدّل مستمر، بحسب العمر العقلي والظروف الاجتماعية والثقافية والعاطفية التي يمرّ بها الشخص. بالتالي فإن الإدراك من هذا المنظور يرتبط بصورة وثيقة بالعناصر الذاتية التي تتسم بها الشخصية بكامل مستوياتها العاطفية الواعية أو اللاواعية، وهو ما يؤيده فرويد.

فالإدراك لا يرتكز فقط على العامل العقلي، بل إن إدراك العالم مربوط بطريقة اكتشافنا لهذا العالم منذ الصغر، فهو وثيق الصلة بهواجسنا ومخاوفنا وطموحاتنا وأحلامنا، ولذلك لا يمكن البتة إقصاء العوامل الوجدانية والعاطفية عن أن تلعب دورًا بالغ الأهمية في عملية الإدراك.


موقف علم النفس الشكلي (الغشطالت)

(الإدراك كمعطى كلي)

تتبنى نظرية الشكل (الغشطالت Gestalt) موقفًا مخالفًا للنظرية العقلانية، فالإحساس ليس بمادة أولى غير متشكلة، يتدخل الإدراك فيما بعد ليضفي عليها المعنى وليصوغها على شكل بنية متوحدة. بالتالي فإن فلاسفة الغشطالت لا يقرّون بوجود مستويين في عملية الإدراك. مستوى الحس ثم مستوى الإدراك. فالإدراك هو عملية واحدة؛ إنه إدراك كلي ومباشر للموضوعات، وهذا يعني أن الإدراك هو معطى كلي، فالكل هو الذي يدرك دفعة واحدة، ومن خلال الكلّ ندرك التفاصيل والعناصر، ومن خلال الكلّ تأخذ الأجزاء معانيها ودلالاتها. وهذه البنية الكلية هي بنية فطرية تقدّم لنا الموضوعات المدركة في شكل متوحد (غشطالت). فالأولية في عملية الإدراك هي أولية الكل وليس العناصر. وكما يلاحظ غيوم فإن الموضوع المدرَك هو كل لا يمكن قسمته إلى أجزاء متمايزة وفردانية. إن له بنية كلية وشكل عام، فهو يشكل وحدة تتحكم بكل جزئياتها، حتى أن الجزء الذي ينتمي إلى هذا الكل المتوحد يختلف هو نفسه حين ينخرط في كل متوحد آخر.

نستخلص من هذا كله أن علم نفس الشكل يرى أن الإدراك ليس تركيبة من أحاسيس سابقة، بل إن موضوع الإدراك المباشر هو المجموع وليس الأجزاء الداخلة فيه. فإننا بالتأكيد لا نقوم بعمل ذهني لجمع الأجزاء في إدراك واحد، بل إن الأجزاء تظهر في الوعي مباشرة في توليفة، أي في شكل أصيل (Une Gestalt)، فالمُعطى الأول هو الشكل وليس الجزء.

إن الشكل والمادة هما مدركان دفعة واحدة، فحواسنا لا تنفتح على عالم من الأحاسيس المشتتة بل على عالم متوحد تكون فيه الموضوعات منتظمة في تركيبات أصيلة حسب قانون الشكل الأفضل والأبسط والأقوى.

من خلال هذا المنظور كان لعلم النفس الشكلي ملاحظات واعتراضات على مسألة إدراك المسافات وأوهام الإدراك.

كيف يفسر إذًا فلاسفة الغشطالت إدراك المسافة؟

ولما يرفضون موقف العقلانيين الذين يعتبرون أن إدراك المسافة ما هو إلا نتيجة للأحكام العقلية؟

يحاول علماء النفس التقليديون أن يبينوا أن كل ما هو تابع لعملية الإدراك هو نتاج عملية تركيب ذهني أو تجميع يقوم به العقل. ولذلك فقد زعم التقليديون أن الامتداد المكاني Etendue نفسه ما هو إلا فعل تركيبي يتأتى من مداخلة العقل.

وعلى خلاف ذلك فإن نظرية الشكل تدعي استحالة تفسير الامتداد المكاني عبر جمع وتوليف أحاسيس غير متمركزة في المكان. فالمكان لا يمكن أن يكون مدركًا من خلال ما هو من طبيعة غير مكانية. لذلك فإن إدراكنا للامتداد المكاني هو معطى مباشر حدسي وأصيل.

ولتعزيز هذا الطرح يرفض أتباع الغشطالت الحجج العقلانية التي تدعي أن إدراك المسافة هو نتيجة لمنطلقاتنا التربوية والتعليمية. وإذا كان من باب الغلو أن نرفض أي دور للمنطلقات التعليمية في اكتساب إدراكنا للمسافة والمكان، إلا أن وجهة النظر الغشطالتية لها ما يبررها حين تنظر إلى المسافة والمكان كمواقف أصيلة ومباشرة للوعي.

ما هي إذًا الحجج التي يستند إليها أتباع الغشطالت؟

إنها في أغلبها حجج مستقاة إما من ملاحظة الأطفال الصغار وإما من ملاحظة العميان بالولادة الذين أجريت لهم عملية الماء الزرقاء La catracte.

ففي السنوات الأولى من الطفولة يحاول الأطفال الإمساك ببعض الأشياء المتواجدة على مسافات بعيدة، وهذه المحاولات الفاشلة (سوء تقدير المسافة) تؤدي في نهاية المطاف إلى اكتساب الطفل للترابط البصري-اللمسي. فمنذ بداية السنة الرابعة من عمره فإن الولد يصبح قادرًا على القيام بحركات إمساك صحيحة للأشياء الموجودة على مقربة منه. أما سوء التقدير والأخطاء التي يقع فيها قبل إكمال عملية التحكم والترابط، فهي ليست ناتجة عن عدم اكتمال الاكتساب التربوي أو التعليمي، بل هي، حسبما يؤكد غيوم، نتيجة لعدم اكتمال نضوج الطرف والاتصالات العصبية عند الولد.

وبالنسبة لمثال العميان بالولادة، والذين أجريت لهم عمليات لإعادة البصر، فإن ما يصرح به هؤلاء العميان بقولهم أن الأشياء تلامس عيونهم لا يعني بالضرورة أن الحكم العقلي هو الذي سيؤدي إلى إنتاج إدراكهم للمسافة، بل كل ما في الأمر أن قاموس الأعمى ينص على استخدام كلمة اللمس لكل ما هو محسوس. بالتالي فإن الالتباس ينجم عن كون المريض لا يمتلك سوى هذه الكلمة للتعبير عن حالته.

ولذلك يعتبر اتباع الغشطالت أن المسافة، مثلها مثل المكان، هي منتظمة في الإدراك كمعطى مباشر وحدسي لا يحتاج إلى اكتساب ذهني ولا إلى أحكام عقلية.

وكما أن إدراك المسافة هو حدس مباشر، كذلك فإن أوهام الإدراك هي أوهام بصرية وليست نتاجًا للحكم العقلي كما أرادت الفلسفة التقليدية والعقلية تبيانه. فالأوهام الإدراكية لا يمكن تفسيرها إلا من منطلق البنية أو المعطى الكلي. فلكل بنية أو شكل أصيل خصائص محدّدة، وأية إضافة لخطوط أو نقاط جديدة ستؤدي بطبيعة الحال إلى تغيير في كامل البنية وخصائصها الهندسية. لذلك فإن المثال الشهير عن الخطين المتساويين، حيث يبدو واحدًا منهما أكبر من الآخر لا يمكن تفسيره إلا من خلال اعتمادنا على البنية الكلية التي يشكل كل من الخطين واحدًا من عناصرها. فمن خلال هذه البنية المتوحدة فقط نستطيع أن نفسر أوهامنا الإدراكية.


مناقشة نظرية الغشطالت:

قدّم علماء نفس الشكل حلولاً هامة حين بيّنوا أن الإدراك هو معطى مباشر وموقف أصيل للوعي وليس نتيجة لبرهنة أو حكم عقلي. فالإحساسات لا توجد على صورة إحساسات مبتورة عن موضوعاتها، الأمر الذي يعني أن الإدراك هو موقف توليفي كلي، وليس البتة موقفًا تحليليًا عناصريًا. إلا أن الخطأ الجسيم الذي ارتكبته نظرية الغشطالت هو أنها قلصت إلى أبعد الحدود دور النشاط العقلي، بحيث ينقلب الشخص المدرِك إلى مجرد مشاهد، مسلوب الإرادة وغير فاعل في عملية الإدراك، الأمر الذي يجعل العالم المدرَك عالمًا من الموضوعات المغلقة المتميزة بأشكال ثابتة وأبدية!

وبسلبها لكل فعالية للذات العاقلة فإن الغشطالتيه، كما يلاحظ بياجه، قد وقعت في نفس خطأ فلاسفة التجريب. فما اعتمده فلاسفة الشكل من عدم تمييز بين مستوي الحس والعقل يجعل من نظرية الشكل نظرية غير مقبولة، إذ إن عمليات الرؤية والسمع ليست دائمًا دالة على الفهم أو مترافقة مع العقل. ففي بعض الحالات المرضية من مثل فقدان المعرفة اللمسية أو البصرية، فإن المريض يستقبل الشكل الإدراكي الحسي لكنه لا يستطيع أن يرفعه إلى مستوى المعرفة.

الواضح إذًا أن موقف الشكليين ينتقص بصورة فاضحة دور الذات المدركة. فصحيح أن معنى الكل سابق على معنى أجزائه بل ويتجاوزها، وصحيح أن العالم الخارجي يقدّم للذات أشكالاً منتظمة لها قوانين فيزيائية وهندسية، لكن انتظام الأشكال لا يأخذ معناه الكامل إلا إذا أخذنا بالاعتبار الذات المدركة وما تحمله من أفكار وقيم.

إن فلاسفة الشكل يحولون الذات المدركة إلى ذاكرة سلبية تحفظ صورًا عن العالم الخارجي. لكن الواقع، كما يقول برادين وبياجه، أن الإدراك هو فعل تكوين الأشياء عبر دينامية العقل في علاقته بحقائق العالم الخارجي.

فالإدراك ليس مجرّد تقبل سلبي ولا هو استنساخ للأشياء الخارجية. بالتالي فإن اعتراض بياجه على فلاسفة الشكل، يرتكز على استبعادهم لفعالية الذات وأبعاد الشخصية. فالإدراك حسب بياجه يرتبط بمقوّمات الذات وما تحمله في طياتها من تجارب سابقة وذاكرة حية ورغبات وقيم.


النظرية الظواهرية (الفينومينولوجية)

ترفض فلسفة الظواهر التمييز بين الإحساس والإدراك. ويعتبر الظواهريون أن الوعي هو الذي يبني الواقع ويؤسس المعاني والدلالات، أي أنهم يقفون على الطرف النقيض من نظرية الغشطالت التي زعمت أن الواقع موجود سلفًا كبنية كلية متوحدة.

ويحاول علم نفس الظواهر أن يتبع أسلوب الوصف ويستغني عن التفسير، إذ من خلال الوصف يمكن الرجوع إلى الأشياء بذاتها أو إلى الوعي بحالته الأصلية. فالفلسفة الظاهرية تعتمد على وصف ظاهرية الوعي، أي الحالة النفسية كما هي معاشة مباشرة في الوعي. وهذا يعني أن الظواهرية تعترض على الفلسفة العقلية التي تفترض أن الإدراك هو نتيجة عملية تركيب لجزئيات بسيطة أولى موجودة في الحياة النفسية. فعلى خلاف العقلانيين، يرى أتباع الفينوميولوجيا أن الإحساس ليس حالة انطوائية أولى موجودة في الذات، بل هو لا ينفك عن مستوى المعاش Le vécu. وبهذا المعنى يقول “ميرلوبونتي” أن التجربة المعاشة لا تضعنا أمام المحسوس الصرف المنطوي في الذات، إذ أن الإحساس الأولي ليس موضوع إحساس. فما يظهر من المعاش مباشرة في الوعي هو إدراك متجه إلى الخارج ومتواصل مع العالم الخارجي. فالإحساس لا ينفك مطلقًا عن الإدراك، ولذلك فإن الادعاء بوجود أحاسيس خالصة هو من باب الخرافة، لأن الأحاسيس ليست موضوعًا للوعي، بل هي لا تعدو كونها فرضية لا يمكن إثباتها.

وقد اغتنى هذا الطرح الفينومينولوجي الذي بدأه هوسّرل، زعيم الفينومينولجيا بآراء العديد من الفلاسفة من مثل ميرلوبونتي وديلاي وسارتر وغيرهم.

يؤكد ميرلوبونتي على أهمية الذات وأوليتها في العملية الإدراكية، كما يبيّن أن وضع الجسد له انعكاساته على الإدراك. فالإدراك هو موقف للوعي بإزاء الموضوعات. إنه موقف يتأسس على الذات المدركة أكثر مما هو منوط بموضوع الإدراك. وهذا ما يؤكده ديلاي حين يعتبر أن شخصيتنا برمتها تنعكس على رؤيتنا للعالم. فالأشكال والموضوعات المدركة لا تنقلب إلى عملية إدراكية إلا من خلال مرورها في عمق الذات. وهذا يعني أن العوامل الذاتية لها شأن أساسي في عملية الإدراك. فالميول والقيم والثقافة لها انعكاساتها على عملية الإدراك وأنماط السلوك.

الواضح إذًا، أن منطلق فلسفة الظواهر يحاول التركيز على الكائن ضمن وضعياته المعاشة وفي علاقاته مع الخارج، مما يجعل الإدراك مرتبطًا بصورة وثيقة بأبعاد الكائن النفسية والجسمانية على حدّ سواء. ولذلك يستنتج باشلار، أنه لا يجوز التشبث بالمحمولات المعرفية للمستوى الإدراكي، لأن الإدراك لا يشكل معرفة موضوعية، بل يصح اعتباره واحدًا من العوائق المعرفية التي تحول دون قيام العلم.


ملاحظات ختامية:

إن طروحات النظريات المختلفة حول الإدراك تدعونا إلى استخلاص بعض النتائج:

إذا كان لا يصح اعتبار الإدارك معرفة موضوعية، إلا أن الإدراك يبقى مع ذلك المقدّمة الضرورية الأولى لكل معرفة ممكنة. فالإدراك هو نشاط توليفي وتوحيدي يقدّم الإحساسات المفككة أصلاً ضمن وحدة تجمع مباشرة كل العناصر، مما يسمح للشخص بالتالي لأن يقوم بالعمليات البرهانية وأن يباشر بالأحكام العقلية.

وإذا كان الإدراك هو المقدمة المنطقية لإنتاج الأحكام، فإن الإدراك نفسه ليس نتيجة لتركيبات عقلية يقوم بها الوعي من خلال تجميع الإحساسات وتوليفها. فالواضح إذًا أن طبيعة الإدراك لا ترتد إلى آلية عقلية أو مسار واضح يقضي بتدخل العقل، فالإدراك هو معطى كلي مباشر، إنه بنية كلية حاضرة في الوعي.

لكن هذا الوضع الفطري المباشر الذي يحكم عملية الإدراك لا يعني البتة أن الإدراك يتجاوز العوامل الذاتية وينحو باتجاه الموضوعية. فالإدراك من جهة أولى يمتاز بطابع فطري يجعله منوطًا بالعوامل الذاتية وبحاجات الشخص وقيمه وموقفه من العالم. ولذلك يلاحظ برغسون أن الإدراك يقدّم لنا العالم من زاوية منافعنا وميولنا. وهذا ما يجعل الإدراك فارغًا من المحمولات القيمية المسبّقة، أي أن الكائن هو الذي يشكل الصورة الإدراكية بالشكل الذي يتلاءم مع حاجاته وقيمه ومنظوره الخاص.

ومن جهة ثانية فإن للإدراك استهدافات ومقاصد موضوعية. فحين نخلّص الإدراك من فطريته الأولى، ومن الإغراق في الذاتية، نسهم إلى حدّ كبير في تحويل إدراكاتنا الذاتية وتعبيراتها الجسمانية والنفسانية إلى إدراكات علمية ومعارف منضبطة تتسم بالشمول والموضوعية. ولذلك يقترح باشلار تخليص معارفنا من كل محمولات الإدراك الذاتية عبر القيام بتحليل نفسي للمعارف لتحويلها إلى معارف علمية موضوعية أو بنيات عقلية واضحة.

إلا أن الوصول إلى هذا المستوى العلمي المنضبط للمعرفة لا يتحصل فقط بطريقة التحليل النفسي للمعارف التي اقترحها باشلار. فالعلوم المنضبطة لا يمكنها أن تعتمد بصورة حصرية على ما يقدّمه الإدراك الفطري من معطيات حسية، بل عليها مجاوزة المعطيات والحدود الإدراكية المباشرة والفطرية. بالتالي فإن اللجوء إلى استخدام تقنيات متطوّرة تقدم لنا ما لا يقدّمه الحس، وكذلك استخدام أدوات القياس ولغة الأرقام، كلها طرائق أساسية تتجاوز الإدراك الفطري وتؤسّس للعلم الموضوعي.



About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: