تعريف بكتاب
المقاربات الديداكتيكية في تقاطع المواد التعليمية.
إعداد وترجمة
د. سمير زيدان
مدرّب وأستاذ في تعليم مادة الفلسفة.
كتاب من سلسلة أفكار في التربية والتكوين، صدر عن دار دو بوك للنشر الجامعي في بلجيكا في العام 2006، وقد اشترك في التأليف آلان مانغان ، مجاز في الفلسفة وأستاذ اللغات والتاريخ للصفوف المنتهية من مرحلة التعليم الثانوي العام ، و بربارا ديفور، مجازة في العلوم وأستاذة الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا للصفوف المنتهية من مرحلة التعليم الثانوي العام ،وذلك بإشراف الدكتور جيرار فوري ، دكتوراه في الفيزياء ومجاز في الفلسفة وهو أستاذ في قسم العلوم والفلسفات والمجتمعات في كليات جامعة نامور. وله كتاب “بناء العلوم” وكتاب “معارفنا عن معارفنا”.
جاء هذا الكتاب نتيجة للعمل المشترك للكتّاب الثلاثة ومحصّلة لخبراتهم المتنوعة في مجالات التدريب. وقد بدأ هذا العمل وتمّ التخطيط له خلال ندوات الإبستيمولوجيا والتطبيقات التربوية التي نظّمها في بلجيكا مركز إنترفاس المرتبط بكليات نامور الجامعية.
إن السياق العام لهذا الكتاب يندرج ضمن الأعمال العديدة التي ظهرت منذ بضع سنوات والتي تحاول استكشاف مسالك المواد التعليمية من زاوية التقاطع ومن زاوية الإمتداد بين المواد ، وذلك بالرغم من التنظيم التقليدي للتعليم ضمن منظومة تقسيم العلوم إلى مواد متخصصة ومستقلة .
يتخذ هذا العمل موقع الدفاع عن حيوية وأهمية
تقاطع المواد interdisciplinarite
والمواد الممتدة أو المستعرضة transdisciplinarite ،
وذلك من خلال التركيز على تنمية:
- تفكير في الأسس المعرفية الإبستمولوجية التي توضح مسارات التقاطع والإمتداد.
- منهجية خاصة لتطبيق إدماج المعارف في تقاطع المواد.
- بحث في الظروف المؤاتية لتحويل الأدوات من مجال مادة تعليمية إلى مواد أخرى فيما اصطلح على تسميته مواد مستعرضة.
- مقترحات ديداكتيكية في هذين المجالين ( تقاطع المواد والمواد المستعرضة ).
إن مؤلفي هذا الكتاب يشاركون غيرهم من العاملين في مجالي التقاطع والإمتداد حماستهم ونزعتهم الإجرائية العملية ، وهم في ذلك يريدون الإسهام في تأسيس ديداكتيك لتقاطع المواد التعليمية.
نذكّر أخيرا أن هذا الكتاب يتوجّه بصورة خاصة إلى معلّمي الصفوف المنتهية من مرحلة التعليم الثانوي العام ، كما يتوجّه إلى مدرّبي المدرّبين وطلابهم.
عرض للقسم الأول:
يتم في الفصل الأول من هذا القسم التركيز على الإنقطاع الثقافي والمعرفي. إن أغلب الإشكاليات المعقدة المتأتية من مجالي الطبيعة والمجتمع والتي نصادفها في حياتنا الهنية أو اليومية لا يمكن معالجتها من منطلق مادة تعليمية واحدة. فهذه الإشكاليات يفترض أن تنطلق من شبكة معارف وكفايات متأتية من مواد تعليمية متنوعة. بالتالي فإن العلاقة مع العالم وبناء المعارف تتأتى من إطار جديد للتفكير، من فلسفة تعليم نسقية. وعلينا أن نواجه نتائج هذا التطور المزدوج على التكوين العلمي للشباب.
و في الفصل الثاني محاولة لتمييز أول وأساسي بين عائلتين من المسارات: تقاطع المواد التعليمية،والمواد التعليمية المتحولة والممتدة ( المستعرضة ). إن موضوع مسار تقاطع المواد التعليمية ، تبعاً لما يقدمه الكتاب، هو بناء تصور لمفهوم ، لوضعية أو لإشكالية من خلال استدعاء نُظم تعليمية متعدَدة. أما المواد المستعرضة فهي ترتكز على عملية تحوَل المعارف والكفايات والأدوات الخاصة بنظام علمي نحو نظام علمي آخر. وهذا المنطلق في التمييز المعرفي ينسحب على مجمل هذا الكتاب.
أما في الفصل الثالث فإن الكتاب يعمل على الدفاع عن مقترح حول إمكانية تحويل تقاطع المواد والمواد المستعرضة إلى نُظم علمية. إن تعريف وتوصيف التطبيقات في مجالي التقاطع والإمتداد لا يمكن الإكتفاء به، بل من الضروري أن يتضافر مع إنتاج واستخدام دقيق للطرائق. فما يطرحه الكتاب هو ضرورة الإعتناء بتعليم هذه المسارات وتوفيرها كمنهجية عمل للمتعلم. بهذا المعنى يقترح الكتاب تحويل هذين المجالين إلى نظم علمية تتسم بالطابع الديداكتيكي.
عرض للقسم الثاني:
في هذا القسم رهان أساسي يقصد إلى توصيف مصطلح ” تقاطع المواد التعليمية” وتحديد تميَزه النوعي وبيان علاقته بالمسارات المجاورة له أو المرتبطة به ، وذلك من أجل استخلاص منهجية تقاطع مرنة تكون قابلة للتحوَل بالنسبة لمروحة واسعة من الوضعيات التعلّمية وبالنسبة لسائر مجالات التعلَم: أبحاث- حياة مهنية- مواطنية- مشاكل يومية.
في بداية هذا القسم يتم التركيز على صياغة معايير تسمح بالتمييز بين الأنماط المختلفة لتشابك المواد التعليمية التي يتم التعامل معها في العادة من دون تمييز في المصطلح بحيث تتم التسوية بين مصطلحات :” المتعدّد والمتكثّر والمتقاطع من المواد التعليمية.
خلافاً لذلك فإن هذا الكتاب يعتبر أن تنوّع المصطلحات يسمح بتمييز المسارات رغم ما يراد لها من اتصال. فالمقصود إذاً التوصل إلى تعاريف محدّدة وثابتة لهذه المصطلحات ، بحيث يصبح من السهل التمييز بين تطبيقاتها وبحيث يتسنّى لنا امتلاك رؤية ثابتة لكل منها خلال الممارسة البيداغوجية.
بالتالي فإن تركيز هذا الكتاب على تقاطع المواد هو ، كما يراه معظم الكتّاب ، يرجع لكونه يمثّل المقاربة الأكثر فعالية ونجاعة. لذلك يقترح هذا الكتاب تصوّراً ثابتاً لتقاطع المواد بالمعنى الدقيق للكلمة بالشكل الذي يفضي إلى جعله مناسباً للإستخدام من قبل المعلمين والمتعلمين أو سائر المستخدمين. وبقصد الوصول إلى تكوين ناجع للرؤية وللممارسة في مجال تقاطع المواد ، يقدّم هذا الكتاب منهجية يمكن للمتعلمين الإفادة منها خلال عمليات التعلّم من مثل منهجية بناء جزيرة صغيرة خاصة بالتقاطع المستخدم في مجال تنمية العقلانية. وهي تتبدّى كمنهجية فاعلة وناجعة كونها تلجأ إلى تحليل وضعيات مشكلة أو كونها كذلك تهتم بتصوّر مفهوم ما.
في حقل الإستخدام المدرسي، فإن اللجوء الى تقاطع المواد يوجب على المعلم الإلتزام بمسارات ديداكتيكية: كيف يثير و يتبدع مشروعاً في تقاطع المواد؟ كيف ينظّم و يرتّب التعلّمات بالجمع و الترابط بين نظم و مواد علمية كثيرة؟ كيف يحدذد غايات المسار التقاطعي؟ كذلك ولكي يكمّل منهجية الجزيرة الصغيرة للعقلانية ، يقترح الكتاب أداة ديداكتيكية، إنها بيداغوجيا المسار le parcours .
كذلك يبيّن الكتاب كيف يمكن لتقاطع المواد أن ينخرط ضمن التيارات المسيطرة للبيداغوجيا المعاصرة؛ إنه عمل زمالة بين المعلمين ضمن الأطر التالية: مقصد وإرادة الشراكة، المفاوضة حول وضعيات تعلّمية تستدعي إجابات تقاطع ، مقاربة بنائية للمعارف والكفايات.
ولكي يؤمن للمستخدمين و المطبقين لتقاطع المواد التعليمية مسالك و أنشطة تقاطع فإن الكتاب يفرد في نهاية هذا الفصل إقتراحين للعمل: إقتراح أول له توجه تعليمي و إقتراح آخر ثقافي. هذه الإقتراحات و الإيحاءات تترك لإبداعية المعلمين الذين يستطيعون تكييفها تبعاً للسياق الذي يعملون فيه. وككل تعلّم في الإطار المدرسي، فإن بناء جزيرة صغيرة من التقاطع العقلاني في المواد التعليمية، يرتكز على كفاية خاصة و يشكل موضوعاً للتقويم. و هذا الكتاب يعرض في الفصل التاسع منه لمعايير و مبيّنات هذا المفهوم.
عرض للقسم الثالث:
يدور هذا القسم حول المواد المستعرضة. وبحسب التعريف الذي تمّ اعتماده، فإن المواد المستعرضة تتعلّق بتطبيقات التحوّل من حقل علمي إلى حقل آخر. هذه التحولات تخص المفاهيم والنماذج النظرية والطرائق وأدوات التحليل والصور المعرفية إلخ…، ويقترح هذا الكتاب تطبيقات ديداكتيكية تجاوز حدود النظم العلمية، بشكل خاص عندما يتعلق الأمر باعتماد الكفايات المستعرضة (أو الممتدة).
في لحظة أولى يتعامل الكتاب مع المواد المستعرضة ضمن نطاق الإهتمامات البيداغوجية الخاصة بتحويل المعارف والمهارات من نظام علمي إلى نظام علمي آخر، وبصورة خاصة بقصد تنمية الكفايات المستعرضة. إن الإنتقال والحركة المستعرضة لبعض التعلّمات التي تشكّل الأرضية الخصبة للمواد المستعرضة.
وفي فصل ثان ينشغل الكتاب بالتفكير حول مفهوم الكفاية. فالمواد المستعرضة ليست قابلة للإشتغال في حال لم يكن للمعلمين المدعوّين للمشاركة تصورات محدّدة عن مفهوم الكفاية ووعي مشترك بالنقاشات التي تثيرها الكفاية خارج توقعاتهم منها وخارج انشغالاتهم المتعلّقة بالكفاية من منظور الإختصاص الضيّق. إن منطق الكفاية يُطرح على صعيد التأسيس النظري قبل أن نُخضع الكفاية لمنظور دينامية الزمالة
(أي التفاعل بين الزملاء من المعلمين لإعطاء الكفاية بُعدها الدينامي والمتحرك).
بعد ذلك يعرض الكتاب، ومن خلال رؤية نظرية وعملية، لطريقة التحويل داخل المادة العلمية الواحدة أو عبر الإمتداد إلى مواد علمية أخرى. إن الأبحاث في علم النفس تسمح برسم المعالم الدينامية للطريقة على الصعيد المعرفي. ومن خلال هذه القاعدة يتم استدعاء استراتيجية ديداكتيكية ومداخلات بيداغوجية تسهّل تحويل التعلّمات. وفي نهاية هذا الفصل يعالج الكتاب مسألة تعقيد بعض الكفايات ومسألة مدى مناسبة التمييز بين كفايات كليّة وكفايات عناصرية .
على الصعيد المدرسي، فإن المواد المستعرضة يمكن أن تأخذ شكل مشروع بيداغوجي ينطلق من شراكة الزمالة ويركّز على اكتساب كفايات عامة. إن المسار المعتمد على شراكة الزمالة يخطّط لإستراتيجيات تعلّم في الإختصاص الضيّق ولعمليات تحويل بين الإختصاصات والمواد المختلفة. ويقوم هذا الكتاب بوصف بعض السيناريوهات التي تسمح بتنمية عادات التضامن الديداكتيكي وباتخاذ مبادرات زمالة من منطلق إرادة الشراكة .
وأخيراً يعالج هذا القسم من الكتاب مسألة تقويم مسارات المواد المستعرضة.
عرض للقسم الرابع:
في هذا الكتاب، وعلى قاعدة الإعتبارات المنهجية، تمّ تعديل المسارات القابلة لتحفيز الإبداعية البيداغوجية. وقد قام الكتاب بتأمين الأطر المنهجية المرنة والمنفتحة بالقدر الكافي لكي يتسنى للمعلم أن يسجل فيها ميوله ضمن عمله البيداغوجي.
إن الوعي بما يحتاجه وضع مسارات ديداكتيك المواد المتقاطعة والمستعرضة موضع التنفيذ يفترض عدداً من الشروط الخاصة التي يتم تركيز الإنتباه عليها بقرائن مناسبة لهذه المسارات. ففي الفصل الخامس عشر نداء إلى المقرّرين والمنظّرين الذين يمكن أن يكون لخياراتهم تأثيراً على التطبيقات الي يقترحها الكتاب لجهة جعلها واضحة وملموسة ولجهة مستقبل المدرسة.
أخيراً فإن الخلاصة العامة لهذا الكتاب تحاول استدعاء الرهانات الرئيسية لتعليم يعمل غلى تفتّح النُظم والإختصاصات العلمية. فالعديد من الحجج التي يستند إليها المعلمين لرفض مايقدّمه الكتاب ماهي إلا تحذيرات من عراقيل من جهة التلاميذ أو الأهل وحتى الزملاء المعلمين… لكن مقابل هذه التحذيرات توجد العديد من الدوافع التي تجعل هذا الكتاب يحارب من أجل الوصول إلى نُظم علمية تشتغل ضمن شبكة متكاملة
(شبكة معارف وكفايات متأتية من مواد تعليمية متنوّعة).